الأحد، 16 مايو 2010

محطـــــــات

محطــــــــــــــــــــات ..

من الأشياء التي أوقن أنها "أكثرأهمية من أن يهملها المرء أو يتناساها" ، هي "محطات" الوقوف التي تشكل جزءا هاما من رحلة العمر .. تلك الرحلة الطويلة في قطار يعج بالركاب .. يتوقف في هذه المحطة أو تلك .. ركاب يصعدون .. وركاب ينزلون .. منهم من يترك علامة في ذاكرتك .. ومنهم من لا تدري متى صعد أو متى نزل . منهم من لم يعرك اهتمامه .. ومنهم من اتسعت ذاكرته لملامحك .
منهم من نسيك .. ومنهم من يتناساك .

كيف يمكن أن نعْبُرعن تلك الفترات من مسيرتنا بدون أن نقف لنلتقط أنفاسنا عند بعض"المحطات" ؟
هل يمكن أن أتناسى رحلة البحث عن أول نص لأول "تمثيلية سهرة" سأقوم بإخراجها لتلفزيون ج.م.ع. ؟
لم أكن قد أعددت نفسي بما فيه الكفاية للقيام بمثل هذه التجربة التلفزيونية، بالرغم من عملي كمتدرب في تلفزيون "فيينا". ذلك بعد أن اكتشفت الهوّة العميقة بين أسلوب العمل في ستوديوهات كل من "القاهرة" و "فيينا"! يكفي اختلاف لغة التواصل المتداولة بين الفنيين والفنانين .. اختلاف المسميات والمصطلحات .. إلى جانب اختلاف المعدات .. وقبل كل شيء .. معرفة أوساط الفنانين والفنيين أنفسهم !

* * *

كنت تشعر بفداحة خسارتك عندما تراهم أو تسمعهم يتحدثون عن أشياء فاتك الإطلاع على تفاصيلها خلال مايزيد عن عشر سنوات قضيتها في فيينا بعيدا عن الوطن العربي وما يدور فيه . هذا بالرغم مما كان يتيحه لك الحصول المنتظم على بعض الصحف والمجلات المصرية المهتمة بالثقافة والفنون بأنواعها ، ومنها اشتراكك السنوي الذي لم ينقطع بمجلتيك الأسبوعيتين المفضلتين ، في ذلك الوقت ،
" روزاليوسف" و "صباح الخير" .
لكنك سرعان ما كنت تستعيد ثقتك عندما كنت تراهم يستمعون لما ترويه عن مشاهداتك ، أو معلوماتك أو قراءاتك في أوروبا وعنها ، خلال تلك السنوات .
وكان من أبرز ما اكتسبته هناك وما تميزتَ به هوإطلاعك على النشاط التشكيلي و الموسيقي والفني بشكل عام .. والسينمائي بشكل خاص .. بطبيعة الحال .
إلا أن عملك في القاهرة كمخرج ، ومعرفتك بالكتّاب والمخرجين والمسرحيين والفنانين التشكيليين ، يسر لك وجعلك كثير التردد على المسرح و الأوبرا ودور السينما ومعارض الفنون التشكيلية .
انهالت عليك منذ البداية إهداءات الكتب القصصية والروائية من مختلف الكُتّاب .. ودعوات متتالية لحضور عروض مسرحية أو "بروفا جنرال" .. أو افتتاح "عرض أول" لفيلم ما .. أو العروض الخاصة بالنقاد والصحافيين للفنون الشعبية والغنائية والموسيقية .
وهكذا ، وبالتدريج ، نمت معارفك التي شربتها من كتب سور الأزبكية قبل أن يهدموه .. ومن دار الأوبرا قبل أن يحرقوها .. ومن مسارح الدولة قبل أن تقفر .. ومن معارضها قبل أن تُهجر .
ولم تتردد في ترديد قولك بأن لحم كتافك - كما يقولون- من خيرات مصر قبل أن تُهدر .
* * *
طلبتُ من الأستاذ الفاضل "سعد لبيب" أن ألتحق بإحدى دورات معهدالتلفزيون ، فما كان منه إلا أن سخر من تواضعي وأكد لي جادا أنه يرى أن أتخلى عنه .. بل أنه يرى أن ألتحق بالمعهد .. كمدرس !
طلبت منه أن يرشح لي مخرجا لأعمل معه .. كمساعد . فما كان منه إلا أن عبرعن دهشته لإصراري على العودة إلى الوراء مضيفا أن قرارتعييني كمخرج يتعارض مع عملي كمساعد ، إلا في حالة قبولي للعمل كمساعد لمدة أربع سنوات ، كما هو متبع مع الخريجين الجدد .
ثم كان أن عرفني بالمخرج "نورالدمرداش" الذي رحب بتوصية "سعد بيه" بأن "أرافقه" أثناء قيامه بمختلف مراحل العمل لمجرد التعرف على الفنيين والفنانين وأجواء العمل .
وكانت تجربة !
كررت التجربة مع مخرج آخر توسمت فيه ما كان يفتقده المخرج الأول، فلم أستطع ، أيضا ، الإستمرار سوى لبضعة أيام .
اعترفت لـ "سعد لبيب" بفشلي في الإستفادة من التجربتين السابقتين ، فشتان بين ما تعلمته في "النمسا" وبين ما أراه في ستوديوهات "ماسبيرو" . فما كان منه إلا أن نصحني أن أقضي فترة أتجول فيها بين مختلف الاستوديوهات بدون أي التزام مع أي كان من المخرجين . وقد كان .
وعندما أحسست أنه قد آن الأوان لكي أخوض التجربة الأولى ، أعلنت عن ذلك، فنصحني المخرج "نورالدمرداش"، مراقب عام قسم الدراما آنذاك ، الملقب بـ "ملك الفيديو"، أن أختار، كبداية ، نصا سهلا يلبي ويخاطب ذوق المشاهد العادي .. "إذا أردت أن تصل إلى الجماهير مباشرة وتدخل بيوتها ، وقلوبها" !
أمضيت فترة طويلة أتردد بين هذا النص ، وتلك الرواية ، وذلك السيناريو. وعندما استقر رأيي على قصة قصيرة وجدتها تحمل المواصفات الموصوفة ، وتتحدث عن السلوك الإنساني والحب والكبرياء والتضحية و "الجدعنه" ، كما قال لي "ملك الفيديو" ، وصادف أن حكيتها لزميلي المخرج "محمد كامل" الذي كنت أستريح إلى رأيه . اعترض بشدة ، وقال محتدا قامعا :
- ما أنا برضه عملت الموضوع ده ॥ وغيري كتير عملوه ! إنت يرضيك تبقى نسخة مني واللا من "نورالدمرداش" حتى ؟! الموضوعات دي شغل صنايعيه واحنا نعملها واحنا مغمضين . إنت غير مقبول منك إلا حاجه "مختلفه".. ماحدش عملها قبل كده .. وإلا .. تبقى ماعملتش حاجه .. حتقوللي إنك مش هدفك تبقى مخرج تلفزيوني .. حقولك ولو .. العمل حيتسجل ويتحسب عليك !
قرأت فيما قرأت أن الفن عبارة عن "صدمة" يحدثها العمل الفني في المتلقي .. يكون هدفها و نتيحتها التغييـــــــــر. ولقد كان في ما مارسه معي زميلي من القمع .. شيء من الفن .
أعادني زميلي المخرج "محمد كامل" إلى صوابي .
وابتدأت الرحلة من أولها .
لكن كاتبنا "نجيب محفوظ" ما لبث أن اختصني في أحد أيام الجمعة بصفحة من جريدة الأهرام تحتوي على مسرحية قصيرة تحت عنوان "التركة" .
لم أكرر قراءتها. ولم تمض أيام حتى كنت قد اتفقت مع الصديق الأديب "مجيد طوبيا"، الذي تبين أن المسرحية باتت تشغله أيضا بمجرد قراءتها ، على كتابة السيناريو.
إليك يا صديقي المخرج المختلف "محمدكامل".. أينماكنت.. أبعث بتقديري واحترامي وعرفاني !
ولم أكد أنتهي من تسجيل العمل الأول حتى قدمني التلفزيون في برنامجه الشهير في حينه ، "حياتنا الثقافية" ، من إعداد الكاتب "سيد خميس" وتقديم الإعلامي "عباس أحمد" (وهوالبرنامج الثقافي المتميز الذي استضافني قبل ذلك مع عرض لفيلمي"حكايه") حيث جرى الحوار حول تمثيلية "التركة" التي وصفت ، بعدعرض أجزاء منها ، بأنها عمل طليعي مضمونا .. وشكلا .
في موعدعرض السهرة ، كما جاء في دليل البرامج التلفزيونية في الصحف اليومية، تجمعنا في بيت الصديق الفنان "بهجت عثمان" انتظارا للحدث الهام .
لكن.. وبعد طول انتظار.. وجدنا أنفسناأمام ثمثيليةأخرى.. بدون إعتذار!
وتبين بعد ذلك أنه قد تم منع عرض "التركة" .. رقابيا !

مرت شهور من مراجعاتي المتكررة وعنادي بالإمتناع عن أي عمل آخر قبل أن يتم عرض "التركة"، أوإفادتي بأسباب منع عرضها، ولكن عبثا حاولت . إلى أن همس لي الصديق والزميل المخرج "م.كامل" بما معناه أن هناك من يرحبون بعنادي وامتناعي عن مواصلة العمل (!)
لجأت ، تجنبا لكل ما من شأنه أن يثير حساسية "الرقابة" ، إلى القيام باختيار أعمال مسرحية "عالمية" وترجمتها وكتابة السيناريو لها.
فكانت تمثيلية "رجل خطير" * من الأدب الألماني .
ومن بعدها تمثيلية "البالطو الحديد" من الأدب الإنجليزي .
إلى أن تمت إجازة نص "رحلة عم مسعود" للمسرحي الكبير "محمود دياب" .. إلخ

* * *

ويرتبط ذكر الصديق الأديب "مجيد طوبيا" في ذهني بفترة غليان الإرادة الشعبية المصرية .. ومظاهرات الطلبة .. وظاهرة "الشيخ إمام". وقد كان "مجيد" ** هو أول من عرفني بـ "حوش قدم" ..
والشيخ إمام وأغنياته الجريئة الرافضة لهزيمة 67 من كلمات الشاعر
"أحمد فؤاد نجم" .. المختلفة .. والذي خلته يتحدث بلسان حالي عن هزيمتي وعن مدينتي الأسيرة "القدس" عندما كان يقول :
"حبيبتي يا مدينه.. متزوقه وحزينه.. في كل حاره حسره .. وفي كل قصر زينه .. .. .. ممنوع من المناقشه .. ممنوع من السكات .. وفي كل يوم في حبك .. تزيد الممنوعات .. وفي كل يوم بحبك .. أكترمن اللي فات .. " . وغير ذلك من الأشعار الموجعة (!)
وسرعان ما كان جميع أفراد مجموعة الأصدقاء يتناقلون أخبار الثنائي ويتخاطفونهما في سهرات منزلية. وعرف "حوش قدم" السيارة "الأوبل البيضا" التي باتت تحملهما في كل مرة إلى منزل آخر من منازل أفراد مجموعة الأصدقاء . وذلك مما كان له دوره في توسيع دائرة الأصدقاء من المثقفين والفنانين .
كان الصديق الناقد "رجاءالنقاش" هو أول من اهتم بهما وبزميلهما المثال "محمود اللبان" فعمل على إقامة معرض لأعماله التلقائية الفطرية في دارالهلال بعد أن أقيمت في نقابة الصحفيين أول حفلة عامة للشيخ إمام .. استمع فيها الناس إلى الأغنية التي تقطر فجيعة وألما وسخرية .. "آخر خبر في الراديوهات .. جيفارا مات .. " .
"جيفارا " .. الذي بات يجسد الرمز للتضحية والصدق والإلتزام .
"جيفارا" .. الذي وصفه "سارتر" بأنه أحد أكبر رجال عصرنا ، وأكثر شخصياته اكتمالا .
ومما هو جدير بالذكر أن الناقد الكبير "رجاء النقاش" ، هوأيضا ، أول من قدم شعراء الأرض المحتلة ، شعراء المقاومة الفلسطينية ، إلى القاريء العربي ، وبشكل مدروس .
____________________________________________
(*) جاء في تقرير لجنة المشاهدة (استمارة التقييم) ليوم30/7/69، بالحرف الواحد:
"تمثيلية جيدة الموضوع امتازت بإخراجها وتمثيلها الرائع، فهي في نظري لا تقل عن أي حلقة أجنبية" ... (!!!!!!)

وعندما فوجئت بتصنيفي ككاتب سيناريو فئة رابعة (بأجر قيمته ثمانية جنيهات) .
سألت مراقب التمثيليات عن السبب فأجاب : لأنك ما زلت مبتدئا !
(**) وهو أيضا أول من أخبرني عن نية بعض السينمائيين الجدد من الشباب بتكوين تجمع خاص بهم ॥ وذلك ما أسفر عن تأسيس "جماعة السينما الجديدة"

* * *

لكنك سرعان ما كدتَ أن تزهد في المواظبة على حضور الأمسيات التي كانت تستضيف "الشيخ إمام" و "أحمد فؤاد نجم"، والحرص على التسجيلات الصوتية التي كنت تقوم بها (على جهازك الجروندج الألماني) وبتوزيعها على الأصدقاء ..بالرغم من إعجابك الشديد بألحان الأول و بأشعار الثاني الثائرة الرافضة للهزيمة । وبالرغم من أنك كنت تعتبرها إحدى موجات النقد الذاتي العربي ، التي تحدث عنها المؤرخ اللبناني "قسطنطين زريق" ، والتي كنا في أمس الحاجة إليها بدليل انتشارها وذيوعها "عربيا" ..وهو ما كنت تراه ظاهرة صحية .

ففي إحدى الأمسيات الشتوية ، كنت تجلس في العوامة ، التي كان صديقك "المونتير" أحمد متولي يتخذها مسكنا له ، وقد اكتظت برواد جدد من أنماط متباينة من "متثقفين" و "متمركسين" لا تدري كيف وجدوا طريقهم إلى العوامة .
من بينهم "متثقفات" .. وضعت إحداهن على كتفيها فراء ثعلب .. وتلفحت الأخرى بلفحة صوف "موهير" ، وثالثة تنفث في تأمل صوفي دخان سيجارة الـ"كنت"، الأميركانية ، الممهورة بأحمر شفاهها . وأخرى تمسك بين إصبعيها سيجارة أرفع من السجائر المألوفة وأطول منها استخرجتها لتوها من علبة أنيقة عليها إسم غير مألوف ، وهي تمسك بنفس اليد كأسا كاد أن يفرغ مافيه من الويسكي ، "أون ذي روكس"، تحركه متمايلة على إيقاع مقطع من أغنية طازجة تهز المشاعر وتستنطق الجماد "آخر خبر في الراديوهات .. جيفارا مات.." .. فتصدر عن كأسها رنات قطع الثلج على الجدار البلوري .. لتتآلف مع ترنيمات الشيخ إمام الموقّّعة الساخرة :
" .. ما رأيكم دام عزكم .. يا أنتيكات .. يا دفيانين ومولعين الدفايات .. يا محفلطين يا ملمّعين يا جيمسينات .. يا بتوع نضال آخر زمن في العوامات" ..
وتكاد توقن ، في خضم هذا الخليط ، أن حضورالبعض لمثل هذه الأمسيات ما هو إلا من باب اللهفة للتظاهر بالولاء للوطن .. وشيء يشبه محاولات "إبراء الذمة" أو "غسيل الذمه" ، على وزن "غسيل الأموال" .. بحيث تكاد تفرغ تلك الأمسيات من مضمونها النبيل .
* * *

و "معركة الكرامة" ، مارس68 ، ذلك الوهج الذي تألقت به الثورة الفلسطينية ، والذي أوحى للفنانين من كل أنحاء الوطن العربي بأعمال تكاد لا تقل أهمية عن العمل الفدائي نفسه. كان من أبرزها مسرحية "النار والزيتون" ، من إخراج "سعد أردش" وتأليف "ألفريد فرج" ، الذي طالبني بالإشراف على حوار المسرحية الفلسطيني ، وإن لم تتحقق هذه التجربة بسبب ضيق الوقت . فقد كانوا قد قطعوا شوطا كبيرا في التدريبات ولم يكن متاحا لي أن أعود بهم إلى البداية. ومن بعدها مسرحية "وطني عكا"، تأليف "عبدالرحمن الشرقاوي" وإخراج "كرم مطاوع"، والتي أدين لها بصداقتي مع الموسيقار "المستشار" القانوني كمال بكير، صاحب موسيقى وألحان المسرحية ، وكذلك المخرج نفسه الذي أنعم علي بلقب .. "المخرج متعدد المواهب" .

* * *

وذلك اللقاء مع "أبوالهول"، هايل عبدالحميد ، في مكتبه في القاهرة ، الذي سعيت إليه لأعرض خدماتي من خلال موقعي بالتلفزيون ، فطالبني بالتفرغ والسفر في الحال إلى "الأغوار" ، وذلك "لمرافقة مجموعة فدائية تتسلل إلى الأرض المحتلة والقيام بتصويرالعملية الفدائية سينمائيا" (!)
وعبثا حاولت أن أقنع أحد "الأبوات" الحاضرين بالصدفة ، وأظنه "أبو صبري" ، أن جُبني الذي اتهمني به سوف يتسبب في إفشال العملية الفدائية ذاتها إذا ما رافقتها لهذا الغرض ، بينما لو أننا أتحنا فرصة التدريب لأحد الفدائيين على استعمال الكاميرا الخفيفة فإننا سنحصل على نتائج أفضل بكثير.
وما زالت كلمات "أبوصبري" الغريبة ، التي لم أسمعها من قبل ، عن "التصفية الجسدية" للمتقاعسين، ترن في أذني .
كان ذلك الموقف بمثابة صدمة بالنسبة لي ، تنم عن مدى "إدراك" قياداتنا لدورالفن وقيمته ووظيفته (!)
* * *

وذلك اللقاء الذي جمع بيني وبين الكاتب الفلسطيني "زين العابدين الحسيني" لأول مرة في بيت صديقي "ناجي شاكر" .
كانت تلك هي روح "الكرامة" التي جعلت الأديب يسعى للقاء المخرج ، بدون سابق معرفة ، وبدون أي حرج ، من أجل التعاون لتقديم ما يمكن تقديمه من أجل الهم المشترك ، وحيث تم الاتفاق على إعداد روايته "سر البرّي" وتحويها إلى فيلم سينمائي .

* * *

ثم يلي ذلك ، ذلك اللقاء الأول والهام الذي كنت أنتظره بفارغ الصبر، والذي أدركت أن وقته قد حان عندما كنت في زيارة بدون موعد سابق للصديق "زين العابدين" في مقرعمله في "إذاعة فلسطين" ، بشارع الشريفين ، حيث صادف أن قابلت د.نبيل شعث الذي بادرني بسؤاله باسما كعادته ، ولكن بشيء من الدهشة :
- إيش عرّفك؟!
- ... ... ؟
- كيف عرفت إنه "أبوعمار" جاي اليوم ؟
أجبته مازحا وأنا أحاول أن أخفي فرحتي وأن أبدو كما لو كنت أعرف عن الخبر الغير معلن أكثر مما تحمل ملامحي :
- .. يبدو أنها الحاسة السادسة !
أطلق لضحكته العنان ، كعادته أيضا ، ثم همس لي قبل أن ينشغل بالحديث مع آخرين :
- لما يوصل خليك جنبي .. عشان أعرّفه عليك ..
بعد الديباجة اللازمه .. وبينما "أبوعمار" ما زال يغدق علي بترحيبه بطريقتة التي توحي بأنه يعرفك حق المعرفة ، تطرق "نبيل" للحديث عن السينما والإعلام وعن ضرورة وجودي في بيروت .. الشيء الذي كنت أسعى إليه. وهنا زاد انفراج شفتي "أبوعمار" عن ابتسامتة الشهيرة الواعدة .. وعاد يغمرني بفيض من مشاعره الأبوية الصادقة :
- .. طبعا .. طبعا .. إحنا محتاجين للشباب اللي زيك .. إلى اللقاء في بيروت !
* * *

أما عن لقائي الأول مع شاعرالمقاومة الفلسطينية"محمود درويش" ، الذي اتخذ شكلا كاريكاتوريا ، فلا بد من الإشارة هنا بأن الفضل في معرفتي به ، غيابيا ، وتعلقي به كشاعر فلسطيني يرجع إلى الصديق الناقد الكبير "رجاء النقاش" وكتاباته الشهيرة للتعريف بشعراء المقاومة ، وللتأكيد أن هناك في فلسطين المحتلة عربا صامدين يدافعون عن حقهم وعن هويتهم ।
كنت أجلس (في شباط 1971) مع صديقي "مختاريونس"، الذي كان في ذلك الوقت يعمل معي مساعدا للإخراج ، في الصف الثاني من صالة "مسرح الطليعة" ، لمشاهدة مسرحية "الغول" ** للكاتب الألماني "بيتر فايس" ، عندما حانت من الكاتب الكبير والمفكر "محمود أمين العالم"، الذي كان يجلس أمامنا في الصف الأول ، إلتفاتة أعقبها تبادل التحية في صمت . لم أدر ما الذي شد إنتباهي وأثار تطلعي لأتحقق من شخصية ذلك الجالس إلى جانبه ، أمامي مباشرة ، وجعلني بالتالي أطل من خلفه إلى الـ"بروفيل" الذي لا يخفى على أحد ..
إنه أنف "محمود درويش" ! معقول ؟!
همست له من خلفه متسائلا بلا مقدمات :
- .. محمود درويش ؟

التفت مرتبكا ، ثم أدار وجهه عني بتلقائية حذرة وهو يهز رأسه فيما يشبه النفي . وضعت يدي على كتف د."محمود أمين العالم" الذي أحس بما يجري كأنني أستنجد به ليحل هذا اللغز . لم ينكر. لكنه وضع سبابته على شفتيه ثم أردف هامسا :
- .. بعدين .. بعدين ..

في الأيام التالية تناقلت الأوساط الثقافية خبر خروج الشاعرالفلسطيني محمود درويش من فلسطين المحتلة 48 ووصوله ، سرّا ، عن طريق موسكو، إلى مصر للإقامة فيها .
بلغني بعد ذلك أنه كان قد حصل على منحة دراسية من أحد جامعات موسكو . لكنه بعد مرور عام قرر اللجوء إلى مصر .
وقد تم تعيينه ، خلال عامي 71 و 72 في جريدة الأهرام حيث قضى تلك الفترة مع نجيب محفوظ وبنت الشاطيء ويوسف إدريس في مكتب واحد.
كم أحزنني خروج محمود درويش من فلسطين !
خيل إلي أن أحد رموزالصمود في الوطن المحتل قد انهار. كنت أريده هناك . كنت أتمنى أن نذهب نحن إليه -عائدين- إلى فلسطين .

عند زيارة الشاعرة "فدوى طوقان" لمحمود درويش في حيفا - إثر هزيمة حزيران واحتلال إسرائيل لبقية فلسطين - قال لها :
- .. "أخشى أن يأتي يوم يأتي فيه نزار قباني لزيارتنا ."
ويبدو أن خوفه من أن يرى ذلك اليوم ، يوم يأتي شعراء من سوريا والأردن ولبنان ومصر.. إلخ ، لزيارة "حيفا" ، هوالذي جعله يفضل أن .. "يحمل حقيبته ويسافر" ..
ولا يكترث لغضب أبيه الذي كان قد.. "نهاه عن السفر" .
و في قصيدة (رب الأيائل يا أبي) صرح ، بعد ذلك ، مخاطبا أباه إثر وفاته :
- .. "وذهبت وحدي كي أطل على القصيدة من بعيد .."

وأيقنت بعدها أن وجوده على مختلف المنصات الشعرية في مختلف بلاد العالم كان ضروريا . وأن خروجه من "حيفا" المحتلة أهون عليه وعلينا من زيارة "فدوى" ، أو "نزار" ، وغيرهما ، لها .
ومرت الأيام ..
وأقنعتني ، بعد ذلك ، الشاعرة "فدوى طوقان" حين قالت أنه خرج ليبدأ مرحلة جديدة لإبداعه الشعري ، ولكي تقوى أكثر فأكثر علاقته بالوطن البعيد .
خرج لأنه يحبها لدرجة الوجع ، وبالتالي لم يعد قادرا على البقاء فيها .
وفهمت معنى تلك القوة التي ألحت على محمود درويش بترك فلسطين المحتلة التي ظلت حاضرة في كل قصائده .. حتى عندما يتحدث عن مشاعر الحب .. والغزل .
"عيونك شوكة في القلب ..
توجعني .. وأعبدها . "
___________________________________________
(**) جدير بالذكر مبلغ إعجابي بموسيقى وأغاني المسرحية المذكورة التي قام بوضع ألحانها الموسيقي الشاب عبد العظيم عويضه ، مما حفزني على تكليفه بعد ذلك بوضع ألحان وموسيقى فيلمي الروائي "الظلال في الجانب الآخر" . وقد كانت تلك هي تجربته الأولى مع السينما أيضا .

* * *

ثم يأتي "أيلول الأسود" .. الذي مازال يضاهي الليل سوادا في تاريخنا .
وما زال يومه الثامن والعشرين من عام السبعين بعد المئة التاسعة عشر يعود إلينا .. ليذكرني بالمعنى الآخر لليُتم .
ذلك حينما فقد العالم العربي "رجلا من أغلى الرجال .. وأشجع الرجال .. وأخلص الرجال" ..
رجلا أعطى هذه الأمة بحق فكرة عن إمكاناتها .
قد يخالفني الرأي من يشاء . ولكنني كفلسطيني لا أستطيع أن اتنكر لمن انفرد في يوم ما في الوقوف إلى جانبي وفي تجسيد حلمي في الوحدة العربية والأمل ، والعمل ، في استعادة "ما أخذ مني بالقوة.." .
والمهم بالنسبة لي ، قبل كل شئ ، هو المبدأ الصحيح .. وليس القائل بهذا المبدأ .

* * *


أعود فأقول مع القائلين :
"قد يموت الفارس .. و ألف فارس .. ولكن الفروسية لا تموت ."
وكذا البطولة لا تختفي إن شاء القدر أن يرحل بعض الأبطال .

* * *




أمي ..
وأبي ..


تهاتفني شقيقتي الكبرى "حُسن" ، من الأسكندرية ، صباح يوم الأربعاء 9ديسمبر من عام 1970، بصوت كدت أن لا أتعرف على صاحبته. تطلب مني الحضور لأمرهام ، وهي التي تعرف مدى إنشغالي في التحضير لفيلمي الروائي الأول . لم أستطع إزاء إصرارها إلا أن أستقل سيارتي وأسارع بالسفر .
ويعلم الله كيف نهبت عجلات سيارتي الطريق الزراعي من القاهرة إلى الإسكندرية .
كانت أمي ، في الفترات الأخيرة ، تعاني من مرضها بذات القلب .
هل اشتد المرض لدرجة تستدعي حضوري ؟

فتحت لي الباب شقيقتي الأخرى"منوّر".. وانفجرت باكية وهي تلهج .. أبوك .. أبوك يا غالب !
لحقت بها "حُسن" وهي تحاول أن تهدئها خوفا من أن تصحو والدتي فتعرف الخبرالذي أوصى الطبيب بعدم تسربه إليها . ثم ساقتنا إلى غرفة الصالون .. وأغلقت الباب بحرص .

* * *

لم تحتمل أعصاب أبي تلك النوبة من نوبات المرض التي كانت تصيب أمي . بات يتمتم ، في غدوه ورواحه وبعد صلواته وقبل نومه وبعد صحوه ، بدعواته المستجيرة بالله وبرحمته ..
"يا خفي الألطاف .. ألطف بنا يارب ."
هذا إضافة إلى دعوته المعروفة كلما أصاب "إم العابد" مكروها ..
"ربنا يجعل يومي قبل يومك يا رشيده".
لاحظ الطبيب توتره وشحوبه ، فكان أن أوصاه بالإنتقال للنوم في غرفة أخرى غير غرفتهما .
وفي فجر ذلك اليوم .. لاحظت "حُسن" هدوءا غيرعادي يغمرالبيت . لم تسمع خطوات والدي وتنقلاته بين الغرفة والحمام والصالة التي تعود أن يقيم فيها صلاة الفجر في موعدها .. حاضرا .. ومن ثم يبدأ في تلاوة آيات من القرآن بصوت مسموع .
كان من الطبيعي أن تؤثر شدة التوتر والسهد والأرق على موعد صحيان "أبوالعابد" لممارسة طقوسه الفجرية. لكن .. وبالرغم من ذلك فقد نهضت الشقيقة الكبرى ليطمئن قلبها .
كانت أساريره توحي بالراحة .. الأبدية .
وبهدوء العقلاء ، اتصلت بالطبيب الذي قام بتحرير شهادة الوفاة وبالإتصال بسيارة المستشفى لنقله إلى بيت الشقيقة "إكتمال" في سموحه .. من حيث تقرر أن تتم مراسيم الدفن .. كل ذلك بدون أن تشعرالأم بذلك . فلقد احتاط الطبيب لذلك ، بإعطائها ما يلزم من المهدئات أو المنومات .

* * *

في اليوم التالي ، فوجئَت أمي بوجودنا ، أخي "عابد" القادم من السعودية ، في غير موعد، وأنا الآتي من القاهرة بالرغم من إنشغالي . ولم يكن من الصعب أن نؤلف لها "سيناريو" مفصل يفسر ويبرر كل ما كان يثير دهشتها وشكوكها حول غياب "أبوالعابد" . وكان الطبيب قد قام بدوره في إقناعها بوجوب إنفصالهما لبضعة أيام حرصا على صحة الطرفين .
إلا أن نظرتها المتأرجحة بيني وبين أخي ، وابتسامتها التي كانت تحمل صنوف المعاني ، كانتا تحملان إلينا إيحاء بأنها قد رضيت بالأمر الواقع . وفي بعض الأحيان كانت تستجمع شجاعتها وتسأل برجاء يائس : فين "أبوالعابد" ؟
وعندما لا يشفى غليلها من إجاباتنا المراوغة ، كانت تعود إلى ابتسامتها الموجعة ، ذات المعاني .
ومع ذلك فقد أصر الطبيب على الإستمرار في تأدية الأدوار، بالرغم من تحسن صحة أمي تحسنا ملحوظا جعله يلح في طلبه أن يغادر كل منا الأسكندرية للإلتحاق بأعماله .
سافر أخي "عابد" بعد أيام ثلاثة ، وبعد أن تم الإتفاق على أن أبقى لحضور أول "خميس" لتقبل العزاء في والدي كما تقتضي التقاليد . ظل متماسكا حتى اللحظةالأخيرة ، حيث أفلتت منه دموعه المحبوسة ، لأول مرة ، بينما كنت أودعه في المطار .
نويت العودة إلى القاهرة في مساء يوم الجمعة . لكن شيئا ما في نظرات أمي كان يستبقيني .

في فجر يوم السبت 19ديسمبر 1970، أيقظتني "حُسن" سائلة إن كنت أرغب في رؤية أمي قبل أن تسلم الروح .
كانت عيناها ما زالتا ترسلان تلك الإشارات الصامتة المبهمة التي حرت في تفسيرها .
قرأت فيهما تارة شيئا من الإتهام بتقصير ما !
ورأيت فيهما تارة أخرى شيئا من العتاب !
ثم أمعنت النظر فإذا هي نظرات تتأرجح بين الرجاء .. والرضاء !

* * *

خلال عشرة أيام فقدت الأب والأم ، أنا الذي كنت أمنّي النفس بلحظات السعادة التي سوف يضفيها نجاح مشروعي الثقافي والوطني عليهما . ذلك النجاح الذي كنت أرى فيه تعويضا لهما عن سنوات غربتي الطويلة عنهما .

لا أذكرعدد الأيام الكئيبة التي تلت ذلك . لكنني أذكر أن صديقي "مختار يونس" ، الذي كان يفترض أن يكون مساعدي في الفيلم الذي وافقت مؤسسة السينما على إنتاجه بالإشتراك مع "جماعة السينما الجديدة" ، جاء إلى الإسكندرية لانتشالي من عزلتي .
وكان العمل هو فعلا ، كما يقولون ، " بلسم الأحزان" .

* * *

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق